إن الأوليات التي ذكرتها لم تحد بنا عن الاضطلاع بالمهمة ذات الأولوية المتمثلة في استكمال عملية إعادة اعمار بلادنا و تعزيز دعائم دولتنا وسيرها.
لقد حشدنا، على امتداد عشر سنوات، جميع مواردنا العمومية و شجعنا الاستثمار الخاص الجزائري منه و الأجنبي في جميع المجالات. و من ثمة سجلنا قرابة
250 مليار دولار تم استثمارها ، ومن بينها زهاء 160 مليار دولار من الاستثمارات العمومية في مختلف القطاعات ،و ذلك على الخصوص لتلبية حاجات المواطنين الاجتماعية منها و الاقتصادية.
لقد تسنى تخفيض نسبة البطالة التي كانت تقارب 30% في عام 1999 إلى ثلثها في غضون السنوات العشر الماضية لتصير أقل من 12% . و قد شهدت بلادنا ، منذ يناير 1999 إلى ديسمبر الفارط ، توظيف قرابة ثلاثة ملايين و نصف المليون من المستخدمين في الإدارات و مختلف القطاعات الاقتصادية بما فيها القطاع الفلاحي و الو رشات العديدة التي تم فتحها عبر البلاد.إلى ذلك ينبغي أن نضيف ، في غضون نفس العقد، أكثر من مليونين و نصف المليون من المناصب المماثلة من خلال مختلف الآليات التي أستحدث لمحاربة البطالة.
و فيما يخص تلبية الحاجات الاجتماعية للمواطنين،شهدت العشرية العديد من المنجزات في مجالات السكن و الهياكل المدرسية و الجامعية و الهياكل الصحية، و كذلك فيما يخص توسيع شبكات توزيع الغاز و الكهرباء و الماء الشروب، و فيما يخص النقطة الأخيرة أود أن أقتصر على التذكير بتسليم 39 سدا جديدا،بالتزامن مع الإطلاق الفعلي لبرنامج تحلية مياه البحر.*
و على الصعيد الاقتصادي ،أطلقننا برنامجا عموميا كبيرا للتنمية أردفه استثمار العاملين الجزائريين و الأجانب ، طوال العشرية الماضية ، أمن نموا متوسطا خارج المحروقات بلغت نسبته حوالي 5% وفاق 6% في السنتين الماضيتين.
من هذا الباب ، تم إحداث قرابة 120.000 مؤسسة جديدة من صغيرة و متوسطة خلال السنوات الخمس الأخيرة .
كان هذا المجهود المبذول في إعادة البناء الوطني مصحوبا على الدوام بالاصرار على تخليص بلادنا من التبعية المالية للخارج و بالحرص على تطهير المالية العمومية في الآن نفسه.
إن مديونية البلاد الخارجية تم تقليصها من أكثر من 29 مليار دولار عام 1999 إلى أقل من 5 ملايير دولار حاليا بينما تقل المديونية العمومية الخارجية عن 500 مليون دولار. بالموازاة مع ذلك توصلنا إلى توفير مخزون من الصرف تجاوز حاليا 140 مليار دولار و هو ما يمكننا من مواجهة الأزمة المالية الدولية مع توخي الحيطة و الحذر حقا ، لكن دون تخوف بالنسبة لمواصلة جهودنا التنموية.
لقد سعينا دوما لضمان استقرار قدرات الميزانية العمومية ، الأمر الذي يتجلي اليوم من خلال توفير الدولة أكثر من 4000 مليار دينار في صندوق ضبط الإيرادات ، في حين نزلت المديونية الداخلية العمومية إلى حوالي 1800 مليار دينار إلى ما يقارب 700 مليار دينار اليوم.كل هذا سيساعد بلادنا على مواجهة السنوات العجاف التي أقبلت مع انخفاض إيرادات المحروقات التي ما انفكت تشكل الجزء الأكبر من إيرادات الدولة .
حضرات السيدات و السادة،
الكل يعلم أن مستقبل بلد ما لا يمكن أن يتوقف على مؤسسات الدولة وحدها فضلا عن رجل واحد. إن المستقبل هذا يجب أن يتكفل به الشعب الذي ينبغي أن يضمن ترسيخ القيم و الخيارات الأساسية للبلاد و يخوض معركة البناء الوطني بكل ما يمتلكه من طاقات ، و أن يرجح إرادته الكاملة بحكم انه صاحب السيادة في تحددي المستقبل الذي يريده لنفسه و يعمل على تحقيقه.
إن تعديل بعض بنود الدستور الذي صادقت عليه مؤخرا أغلبية البرلمان إنما يندرج ضمن هذه الروح.فبالإضافة إلى الخيارات الأساسية الواردة فيه، يمكن هذا التعديل من تعزيز و توطيد صلة الجزائر بتاريخها، و إبراز مكانة المرأة في بلادنا بوجه ملموس، و تحقيق تجانس أكبر بين مختلف دواليب السلطة التنفيذية.كما يؤكد سيادة الشعب بلا منازع في اختيار من يرتضيهم لتولي أموره.
حضرات السيدات و السادة،
كان لزاما علي، و نحن قاب قوسين أو أدنى من الانتخاب الرئاسي، أن أستظهر أمام الأمة كلها ما اضطلعت به مما وكلتني عليه في 1999 ثم في 2004.
لقد كان من حقي المشروع أن أعتبر أنني أديت ما كان علي في خدمة الوطن ، ذلك أنني تشرفت بالمساهمة في تحريره ثم بخدمته بعد استرجاع الاستقلال في مناصب عليا إلى جانب رفاقي في السلاح .و بعد كل ذلك أل آل إلي شرف تولي مهمة القاضي الأول في البلاد طيلة عقد بكامله وفي ظروف كانت بالغة الصعوبة في بعض الأحيان.
كان يتناهى إلي من مختلف أصقاع الوطن و مختلف فئات الشعب نداء يلح علي بمواصلة هذه المهمة .هذا النداء يشرفني أيما تشريف بطبيعة الحال ، و إذ أشكر كل الذين رفعوه إلى مسامعي خالص الشكر ،فإنني أقدر جسامة و صعوبة ما يرجى مني.إنني أتوجه بأجزل الشكر إلى أحزاب التحالف الرئاسي و المنضمات و الجمعيات الوطنية بتفرعاتها و اختصاصاتها و منظمات أرباب العمل و المجتمع المدني جميع المواطنين و المواطنات الذين آثروني على أنفسهم و استجابوا لهذا النداء و استمدوا منه موقفا و جهروا به صريحا مدويا.
سيتفهم الجميع أنه كان من الصعب علي أن أصم عن مثل هذا النداء الملح،أو أن أولي الأدبار ناكثا ما تعاهدنا عليه الى الأبد ،أنا و أغلى رفاقي المجاد،شهداء ثورة أول نوفمبر 1954 المباركة .وقد يكون ذلك موقفا من الصعب اتخاذه أمام المجاهدين الذين ما زالوا على قيد الحياة لأننا ننتمي الى جيل يؤمن بلزوم تجسيد ما جاء في أول نوفمبر 1954 بحذافيره.وقد يكون ذلك بالدرجة الأولى سلوكا يتعذر علي معنويا الأخذ به أمام الشعب الذي وسمني بثقته و مساندته في أربعة اقتراعات عامة أي في الانتخابين الرئاسيين عامي 1999 و 2004 وفي استفتاءي الوئام المدني و المصالحة الوطنية.
ذلكم هو بالذات،ما دعاني إلى أن أوطن نفسي،بعون الله،على الترشح للانتخاب الرئاسي الذي سيجرى في شهر أفريل المقبل ،و ذلك بصفة المتر شح المستقل .و من ثمة أكون قد أديت واجبي المعنوي و للشعب الخيار في إصدار قراره بكل سيادة و ديمقراطية.من خلال انتخاب أفريل المقبل الذي سيتم،ولا ريب ،في نطاق الحرية الشفافية التامة.
حضرات السيدات و السادة،
و إذا أولاني الشعب الجزائري ثقته مرة أخرى، فإنني أعتزم مواصلة الجهد الجاري بذله.
لقد قطعت الجزائر شوطا طويلا على درب التقويم الوطني في غضون العقد الفارط ،و لكن ما زال علينا أن نواصل السير طويلا أن نحن أردنا أن نحصن بلادنا من الأزمات تحصينا محكما ،و إن أردنا حقا و صدقا أن نضمن للأجيال الآتية تنمية و رفاهية حتى تكون في مأمن من كل ما قد يطرأ من أحداث.
فضلا عن ذلك، فان الظرف الاقتصادي العالمي الراهن و تبعاته في شتى مناطق العالم، في مواجهة نظام دولي مختل و جائر، يذكرنا بأن مستقبل وطننا لن يكون سوى نتاج مجهود جماعي حقيقي، و أن مآل وطننا لن يكون، هو الأخر، سوى ثمرة إرادتنا و تضحياتنا.
و خلال الأسابيع التي تفصلنا عن الاقتراع ،سوف تتاح لي الفرصة لكي أتطرق بالتفصيل للسبل و الوسائل التي خضته بمعيتها و لأجلها منذ 1999.
إنني أتعهد ، أولا ، بمواصلة ترقية المصالحة الوطنية و مصالحة الجزائريين مع أنفسهم و مع وطنهم.
بطبيعة الحال ،سنواصل التصدي لشرور الإرهاب بكل ما أوتينا من الإمكانيات و الوسائل ،لكن الباب سيبقى مفتوحا أمام كل ضال يرغب في العودة إلى سواء السبيل.
إن ترقية الديمقراطية و الدفاع عنها هي قضية كل الفاعلين السياسيين.إنها كذلك قضية كل مواطن و كل مواطنة عقد العزم على الدفاع عن حقوقه و حرياته ،بينما يؤول الأمر إلى مؤسسات الدولة لكي تضطلع بدورها كحكم نزيه، من أجل فرض تطبيق قوانين البلاد و الامتثال لها.
إن ديمقراطيتنا ستتعزز بفضل فتح مجال أوسع أمام المرأة التي تشكل نصف الهيئة الناخبة.و إنني لأعتزم العمل على تجسيد الأحكام الدستورية الجديدة المتعلقة بترقية مكانة المرأة في المجالس المنتخبة.
و سيتم العمد إلى التشريع في هذا النطاق من أجل القيام بالخطوات الأولى في هذا الاتجاه.بعدها سيكون في مقدور النساء تعزيز مكانتهن على الساحة السياسية، بفضل التزامهن ووجودهن و حتى بفضل قوة أصواتهن، مما سيمكن الجزائر من الاستفادة من إسهامهن تمام الاستفادة.
إن تصالح الجزائريين فيما بينهم ومع وطنهم سيتم، كذلك بالاستناد إلى هويتنا و أصالتنا.لأجل ذلك، و بعد أن بذلت جهدي لترقية المكونات الثلاث للهوية الوطنية،
فإنني أنوي مواصلة هذا الجهد .إن التعديل الدستوري يلزم الدولة بواجب إضافي يتمثل في ترقية كتابة التاريخ الوطني و تعليمه للأجيال الناشئة.
حضرات السيدات و السادة،
يتعلق تعهدي الثاني بمواصلة عملية إصلاح الحكم في جميع الميادين، ومن ثمة تعزيز سلطان القانون.
أجل لقد تمت مباشرة إصلاحات هيكلية في شتى القطاعات،على غرار قطاع العدالة.
و رغم جسامة الأزمة التي عشناها.فان هيبة الدولة قد استعيدت و سيتم تعزيزها أكثر.لكن تأكيد سلطان القانون يشكل تحديا يقتضي المساهمة الفعالة من جميع أفراد المجتمع الجزائري الذي يعاني اليوم من انحرافات تسيء لنا جميعا،و التي يتعين اتخاذ إجراءات للقضاء عليها.
حضرات السيدات و السادة،
أما التعهد الثالث و الأخير الذي أبيت إلا أن أقوم به أمام الشعب ابتداء من اليوم،فهو ذلك الذي يتعلق بمواصلة مجهود تنموي اقتصادي و اجتماعي مكثف.
بإمكان الجزائر ،لأول مرة منذ استقلالها ،أن تتطلع إلى الحفاظ على انطلاقتها التنموية،رغم أزمة اقتصادية عالمية حقيقية لا سبيل إلى تجاهلها.لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بمزيد من التأخر عن اللحاق بالركب العالمي الذي يمضي قدما.انه لمن الأهمية الحيوية بالنسبة لنا تثمير إمكانياتنا و مكسباتنا على الوجه الأوفى للقضاء على العجز المسجل على المستوى الاجتماعي بمختلف أوجهه،لكن كذلك لبناء اقتصاد منوع يدر علينا إيرادات تضاف إلى مداخيل المحروقات.
ستستمر الدولة في تعبئة مواردها بصورة مكثفة أكثر في خدمة تنمية البلاد.و إنني لأنوي رفع هذا الالتزام إلى ما يعادل 150 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.مع مواصلة حشد الاستثمارات المحلية و الأجنبية في الوقت ذاته.
سنواصل جهودنا للتخفيف من أزمة السكن،بل القضاء عليها،و نعزز في الوقت نفسه ،و بشتى الحوافز ،تطور الترقية العقارية حتى يكون في مقدور المواطنين امتلاك سكناتهم.
و سنواصل المعركة ضد البطالة بفضل برامج الاستثمار العمومية و ترقية الاستثمار الاقتصادي في كافة المجالات، زيادة على الآليات العمومية للمساعدة على التشغيل.في هذا المضمار، يمكننا أن نتوقع إحداث ثلاثة ملايين منصب شغل خلال السنوات الخمسة القادمة.يتم نصفها من خلال آليات التشغيل المؤقت.
و إذ سنبقي على وتيرة بناء المدارس و مركز التكوين المهني و الجامعات، سنواصل تطبيق إصلاح منظومة التعليم الوطنية و تحديثها، فضلا عن ترقية البحث العلمي.
كما سيتم بذل جهد ذي بال في مجال الصحة العمومية بفتح مستشفيات و مرافق صحية جديدة،و سنستكمل ،في الوقت نفسه ،إصلاح قطاع الصحة العمومية ،من أجل شفافية أكبر تكون في خدمة المواطنين دائما و أبدا و أكثرهم حرمانا في المقام الأول.
إننا سنبقي على السياسة الوطنية للعدالة الاجتماعية و التضامن الوطني، مع السهر على مكافحة أشكال التبذير و على توجيه هذه السياسة، على نحو أفضل، تجاه أصحاب الحق في الاستفادة منها.
و سندعم إنعاش القطاع العمومي القادر على البقاء على أساس قواعد السوق و المنافسة.كما ندعم القدرات الوطنية على الاستثمار و إيجاد الثروات الحقيقية.
و سنواصل تشجيع الاستثمار الأجنبي في بلادنا،في كنف مراعاة مصالح الاقتصاد الوطني و على أساس تقاسم الأرباح.
بهذا الصدد لا بد لي أن أقول بكل وضوح انه من منطلق روح إصلاحاتنا و التزاماتنا الاقتصادية ،و كذا على ضوء التطورات و الأمثلة التي نشهدها اليوم في العالم فإنني أعتزم السهر على تعزيز دور الدولة في مجال ضبط الاقتصاد حتى يندرج إسهام الاستثمار الجزائري و الأجنبي حقا في خدمة تنمية بلادنا و يراعي التوازنات و مستقبل اقتصاد الجزائر.
حضرات السيدات و السادة،
سوف تتاح لي مستقبلا ،إن شاء الله ،فرصة الاستفاضة في شرح هذه الالتزامات العامة التي أعلنت عنها اليوم أمامكم ،حتى يعلم الشعب على أي أساس يمنحني صوته إن كانت تلك رغبته التي سيعبر عنها بكل حرية.
إنني أدعو بني وطني و بناته إلى التجنيد مجددا ،ليس لصد تهديد ما يحيق بالبلاد ،مثلما برعوا في ذلك براعة جديرة بالإكبار ،بل لرفع تحديات صيرورة الوطن،تحديات استقرار يكون أكثر ثباتا علي الدوام ،و لرفاه مستديما غير مرهون بتذبذب أسعار البترول.
و أود أن أخص بهذا النداء،الشبيبة الجزائرية ،داعيا إياها إلى تعزيز ثقتها في نفسها و في وطنها حيث يكمن مستقبلها إذ لا وطن لها إلا الجزائر.
إلى هذه الشبيبة أقول أن الجزائر تهديكم إمكانياتها و خيراتها، و إنني أضع تحت تصرفكم ما املكه من إرادة و قدرة على البذل و العطاء.و الجزائر تنتظر مقابل ذلك ،حماسكم و طاقاتكم لخوض غمار النهوض بالبناء الوطني.
المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار !
عاشت الجزائر
أشكركم على كرم الإصغاء
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.