|
لقد توصلنا، بعد انقضاء عشرية من الجهود، ليس فحسب، إلى الحد من النقائص في مجال التنمية البشرية، بل أيضا، إلى إنعاش ورفع مستوى حركية النمو، ولاسيما، خارج الـمحروقات.
قد خيّم محيط أكثر ملاءمة للتنمية، بفضل مختلف الإصلاحات التي أجريت. كما تفتح اقتصادنا على السوق العالـمي، وعلى جلب الإستثمار الأجنبي الـمباشر أو في شكل عقود شراكة. وقد سمحت مختلف أشكال دعم الإستثمار، بالإضافة إلى مخططات الأعباء الهامة الـمنبثقة عن البرامج العمومية للتنمية، بالتشجيع أيضا، على تطوير الـمؤسسات الـمحلية الصغيرة والـمتوسطة. وإني، على أساس هذه الـمكاسب، لعازم على توظيف الـمزيد من قدراتنا في إنشاء ثروات اقتصادية متنوعة، وفي عرض متزايد لـمناصب الشغل من قبل كل قطاعات النشاط. وإنه، ضمن هذا الهدف، لتندرج الأعمال الـمعروضة أعلاه، الـموجهة إلى ترشيد الحكم وتحسينه أكثر فأكثر. وإني، في نفس هذا التوجه، لعازم أيضا على تكريس جزء لا يستهان به من الـمبلغ الـمعادل لـ 150 مليار دولار، الذي أعتزم تعبئته بعنوان النفقات العمومية ليرافق تعبئة رأس الـمال الوطني الخاص، والإستثمار الأجنبي. وغني عن البيان أن الأزمة الإقتصادية الحادة السائدة اليوم على المستوى الدولي، لن تستثني بلادنا من حيث إيراداتها الخارجية. ولذلك، فإن هذه الأزمة تفرض علينا التحلي بالحذر في تسيير الـموارد التي تمكنت الجزائر من جمعها طيلة السنوات المنصرمة، والتي ستسمح لها بتفادي التوقف من جديد عن مواصلة وثبة البناء الوطني. بل إن الأزمة الدولية تدعونا أيضا، إلى بذل مزيد من الجهود، ومزيد من العمل، وإلى مكافحة أكبر لكل أشكال تبذير الـمورد العمومي. كما تدعونا أخيرا، إلى تكييف اندماج اقتصادنا الوطني في الإقتصاد العالـمي مع التطورات الجارية على الساحة الدولية: حيث يتعين على بلادنا، التي سيكون سوقها مفتوحا بالتأكيد، أن تنتج جزءا من الحاجيات، محليا، وأن تسهر على تعزيز مهمة الدولة في مجال الضبط الإقتصادي، وعلى الـمحافظة على ميزان مدفوعاتها. وإنه، لفي هذا الإتجاه لتندرج كافة الإجراءات التي عرضتها عليكم أعلاه، وفيه يكمن أيضا، الـمسعى الإقتصادي الذي سأتعرض له أدناه. وهكذا، فإنني أعتزم تثمين القدرات الفلاحية أكثر فأكثر، وذلك، خدمة لاستقلاليتنا الغذائية، أولا وقبل كل شيئ. وبهذا الصدد، فقد تم تعديل الإطار التشريعي لاستغلال الأراضي العمومية وسيتم استكماله. وستتعزز قدرات السقي الزراعي بما في ذلك في الهضاب العليا حيث ستنجز عمليات تحويل كبرى، انطلاقا من مياه الجنوب الجوفية. وجدير بالذكر أن الفلاحين ومربي الـمواشي الذين تكفلت الخزينة بديونهم، سيستفيدون من تدابير هامة لتدعيمهم وتشجيعهم قصد تحديث ومكننة الزراعة وتحسين مستوى إنتاجنا وتقليص العجز في تغطية حاجات السكان الغذائية. وسيتم تحسين شبكات توزيع الـمنتوجات الفلاحية. وهكذا، سيتم تخصيص 1.000 مليار دينار، خلال السنوات الخمس المقبلة، من أجل إحراز تقدم في اتجاه ضمان الأمن الغذائي. وسنسعى، في نفس الوقت، إلى تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي في قطاع صناعة الزراعة الغذائية على أن يستجيب، أولا لحاجات سوقنا. كما سيستمر قطاع الصيد البحري في الاستفادة من تحفيزات عمومية بهدف ضمان مساهمته في تغذية السكان واستحداث مناصب شغل وكذا استغلال الـموارد الصيدية الـمتوفرة في مياهنا الإقليمية بواسطة قدرات محلية. ولا شك أن تحديث الفلاحة، إلى جانب برامج الاستثمارات العمومية في القطاعات الأخرى، ولاسيما البناء والأشغال العمومية أو الري، من شأنه أن يوفر مخططات أعباء هامة لإنعاش الصناعة في بلادنا التي يجب أن تستفيد منها. وبهذا الصدد، سأسهر على إعادة تأهيل الـمؤسسات العمومية القابلة للاستمرار، والـمتوفرة على مخطط أعباء. حيث سيتم منحها مساعدات مالية في شكل قروض ذات مزايا من أجل تقويمها وتحديث أدوات إنتاجها. كما سنشرك في هذا الـمسعى الشركاء الأجانب الـمستعدون للمساهمة في تحديث أداتنا الصناعية. كما سأدعم تنمية الصناعة البتروكميائية واستغلال الـمناجم وكذا ترقية الطاقات الجديدة. وبهذا الشأن، يجب أن تتم في هذه السياسة، مراعاة تطوير الصناعات البعدية وضمان أمن البلاد في مجال الطاقة على الـمدى الطويل. وفي هذا الإطار، سنعمل على ترقية الطاقة الشمسية التي نتوفر على قدرات هائلة منها، وكذا الطاقة النووية لأغراض سلمية محضة، التي ينبغي أن نهيأ لها الـمجال، من الآن. فضلا عن ذلك، سأستمر فـي تحديث الخدمات الـمرافقة للاستثمار الاقتصادي. ولهذا الغرض، وعلاوة على تطوير الـمنشآت الأساسية للنقل البري، سيتم أيضا، استكمال تحديث استغلال الـموانئ، بالإضافة إلى إعادة تأهيل قدراتنا في مجال النقل البحري للبضائع. كما سنعزز آليات تمويل الاستثمار. وسأسهر على مواصلة تنميتنا مع تفادي اللجوء إلى الاستدانة الخارجية والاعتماد أولا، على تعبئة الـموارد الـمالية الهامة الـمتوفرة محليا. وذلكم هو ذات الإطار، الذي يندرج فيه الصندوق الوطني للاستثمار الذي أنشأ مؤخرا، والذي سيزود برأس مال عمومي يقدر بـ 150 مليار دينار، بما يجعله يتوفر على قدرات للتمويل تفوق 1000 مليار دينار في غضون السنوات الخمس الـمقبلة. وهناك آليات أخرى مجددة، سترافق استكمال الإصلاح الـمصرفي ومنها آليات تمويل الاستئجار ورأس مال الاستثمار، كما سنعمل على تطوير سوق السندات والبورصة الـمحلية مع تقديم الضمانات اللازمة ضد أي نشاط مضارب وكل تهريب لرؤوس الأموال. أما الـمؤسسات الصغيرة والـمتوسطة التي تساهم في تنمية البلاد بعيدا عن الـممارسات الطفيلية أو الـمضاربية، فسوف تحظى بدعمي الضروري، بهدف استحداث 200.000 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة على الأقل خلال السنوات الخمس الـمقبلة. وبهذا الشأن، سيتم تيسير حصولها على القرض البنكي للاستثمار في ظل احترام الـمعايير القانونية، ولاسيما من خلال تدعيم الآليات العمومية للضمان. كما سيتم تطوير قدرات توجيه ومرافقة الـمقاولين من خلال شبكة مؤسساتية عبرمختلف الولايات. وسيتم تحسين توفر العقار الصناعي في إطار نظام الامتياز بفضل عديد الـمناطق الصناعية الجديدة التي سنطورها على امتداد شبكات الـمواصلات. وسيحظى تطوير الاستثمار في الـمناطق المحرومة، وفي ولايات الجنوب والهضاب العليا، بتشجيعات خاصة. وأخيرا، سيطبق مبدأ الأفضلية في قانون الصفقات أكثر فأكثر في فائدة المؤسسة المحلية ولكن ضمن تكافؤ الفرص في إطار المناقصات العمومية. كما أعتزم تعزيز النهضة السياحية والصناعة التقليدية. وسيتم تشجيع الاستثمار الفندقي عبر كل التراب الوطني، وتكوين المستخدمين وتحسين نوعية الخدمات بما في ذلك لدى وكالات السياحة والأسفار، كما سيتم تدعيم الجهود الـجارية من أجل ترقية الصناعة التقليدية. ويتمثل الهدف الذي ننشده خلال السنوات الخمس الـمقبلة في إعادة إدماج بلادنا في شبكات السياحة العالـمية، وتثمين قدراتنا في هذا الـميدان ورفع مساهمة هذا القطاع في استحداث مناصب الشغل وجلب العملة الصعبة. وسيساهم تكثيف النشاط الاقتصادي أكثر فأكثر في استحداث مناصب شغل وفي مكافحة البطالة. ومع ذلك، فإن الطلب على الشغل سيظل جد مرتفعا خلال السنوات الـمقبلة، نظرا للتركيبة الديمغرافية للسكان، ولاسيما النسبة الكبيرة التي يمثلها الشباب. والحال هذه، فإن هدفي بالنسبة للسنوات الخمس الـمقبلة، يتمثل في استحداث ثلاثة ملايين منصب شغل جديد، سيكون نصفها بفضل الاستثمار فـي مختلف القطاعات الـمنتجة والإدارة العمومية. ولهذا الغرض، سيتم تدعيم تراتيب المساعدة على إنشاء مؤسسات مصغرة بشكل أكبر، بما في ذلك استحداث نشاطات من قبل النساء الـماكثات في البيت. كما سنواصل برنامج إنجاز محلات تجارية بمساهمة الجماعات الـمحلية لفائدة البطالين القادرين على استحداث نشاطاتهم، وسأسهر على أن تتمكن النساء من الاستفادة من هذه التسهيلات بكل إنصاف. كما أن التراتيب العمومية الخاصة بالـمساعدة على التشغيل الـمؤقت ودعم الإدماج والتأهيل المهني لحاملي الشهادات في المؤسسات سيتم المحافظة عليها وتفعيلها. وسيظل تحسين مستوى معيشة الـمواطنين في صدارة مسعايا، بما يتماشى ومبادئنا الوطنية وقناعاتي الشخصية. وفي هذا الإطار، فإني عازم على تمكين العمال من الاستفادة من ثمار التنمية الاقتصادية التي أقترحها عليكم سواء تعلق الأمر باحترام حقوقهم الاجتماعية وظروف عملهم التي يحددها القانون أو تعلق بالـمراجعة الدورية لأجورهم التي سيسهلها التفاوض بشأنها، في إطار الثلاثية بين السلطات العمومية والـمتعاملين الاقتصاديين والعمال. واقتناعا مني بأن البناء الوطني يقتضي مساهمة كل الطاقات الوطنية، فإني عازم على تشجيع حوار وطني دائم تشارك فيه قوانا الـمنتجة وكفاءاتنا، حول السياسة الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبهذا الشأن، سأدعم إثراء العقد الوطني الاقتصادي والاجتماعي بهدف تجنيد كافة الشركاء أكثر فأكثر في التنمية. كما سيتم إشراك الـمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي الذي يضم كافة الشركاء الوطنيين وعددا هاما من الكفاءات رفيعة المستوى، من أجل الإسهام في تقييم مسعانا التنموي، أكثر فأكثر، وإثرائه باستمرار. |